فولفغانغ بورشرت
الترجمة من الألمانية: علي عودة *
جميع الناس لديهم آلة خياطة، مذياع، ثلاجة وهاتف.
قال مالك المصنع متسائلاً: ''ماذا علينا أن نعمل الآن؟''.
فرد المخترع: ''قنابل''.
وقال الجنرال: ''حرب''.
''عند الضرورة''، قال صاحب المصنع.
كتب الرجل ذو المعطف الأبيض أرقاماً على ورقة، ثم أضاف إليها أحرفاً ناعمة صغيرة.
خلع الرجل المعطف الأبيض وراح يعتني على مدى ساعة واحدة بالزهور على حافة النافذة. بعد أن لاحظ أن واحدة منها قد ماتت، حزن كثيراً وبكى.
كانت الأرقام مدونة على الورقة. بعد ذلك كان بمقدور نصف غرام أن يبيد آلاف الناس في غضون ساعتين.
أشرقت الشمس على الزهور.
وعلى الورقة.
تحدث رجلان مع بعضهما بعضاً.
- تقدير التكاليف؟
- مع البلاط؟
- مع بلاط أخضر اللون بالطبع.
- أربعون ألفاً.
- أربعون ألفاً؟ حسناً. أجل يا عزيزي، لو لم أغيّر في الوقت المناسب من الشوكولا إلى البارود، لما كان بمقدوري أن أدفع لك الأربعين ألفاً.
- ولا كان بإمكاني عمل حجرة الحمّام.
- ببلاط أخضر اللون.
- ببلاط أخضر اللون.
افترق الرجلان.
كانا مالك مصنع ومقاول بناء.
إنها الحرب.
في ساحة لعب ''الكيجل''. ثمة رجلان يتحدثان مع بعضهما بعضاً.
- ما هذا؟! مدرس الثانوية، يرتدي بدلة سوداء، مصاب أليم.
- كلا وألف كلا، كلا وألف كلا أن يكون لدينا حفل. فشبابنا يذهبون إلى الجبهة.
تلقى كلمة قصيرة، ينوه فيها إلى دولة المدن. يقتبس من ''كلاوزيفيتس''.
يعطي جملة مفاهيم: الشرف، الوطن. كما يدعو إلى لقراءة هولدرين. يتذكر ''لانغي مارك''. احتفال مؤثر، مؤثر جداً. غنى فيه الشباب. تتألق العيون بصورة مؤثرة، مؤثرة جداً.
''توقفوا بحق السماء. هذا فظيع''. حملق مدرس الثانوية بالآخرين. وضع أثناء الحديث إشارات قصيرة للصليب على الورقة، كانت قصيرة جداً. نهض وضحك. تناول مخروطاً جديداً وتركه يتدحرج على ساحة اللعب.
رعدت السماء بصوت خفيض. بعد ذلك اندفعا خلف ساحة اللعب، فبديا وكأنهما قزمان.
رجلان يتحدثان مع بعضهما بعضاً.
- ها، كيف يبدو الوضع؟
انحرف عن جادته كما يبدو.
- كم لديك بعد؟
- إن سار الأمر على خير: ألفان.
- كم بمقدورك أن تعطيني؟
- ثمانمائة على أكثر تقدير.
- عربون.
- فليكن ألف.
- شكراً.
افترق الرجلان.
كانا يتحدثان عن الناس.
كانا جنرالين.
إنها الحرب.
تحدث الرجلان مع بعضهما بعضاً.
- متطوع؟
- بالطبع.
- كم عمرك؟
- ثماني عشرة سنة. وأنت؟
- وأنا كذلك.
افترق الرجلان.
كانا جنديين.
سقط أحدهما، لقد مات.
إنها الحرب.
بعد أن توقفت الحرب عاد الجندي إلى البيت. لكنه لم يكن يملك خبزاً. حينذاك صادف أحدَهم بحوزته خبزاً، فضربه حتى الموت.
قال القاضي: ''ليس من العدل أن تضرب أحدهم حتى الموت''.
سأل الجندي: ''ولِمَ لا؟''.
لما وصل مؤتمر السلام إلى نهايته، سار الوزراء في المدينة، ومروا على أحد الأكشاك. ''أطلق النار مرة أيها السيد''، هتفت الفتيات ذوات الشفاه المخضبة. فقام الوزراء بتناول البنادق وأطلقوا النار صوب رجال من الكرتون المقوى.
في خضم إطلاق النيران أتت امرأة عجوز ونزعت منهم البنادق. ولما حاول أحد الوزراء استعادة بندقيته لطمته العجوز على خده.
كانت أمّاً.
عاش ذات يوم رجلان، تعاركا وضربا بعضهما بعضاً بالأيدي بعد بلوغهما السنة الثانية.
وحينما بلغا الثانية عشرة ضربا بعضهما بعضاً بالعصي، وقذفا بعضهما بعضاً بالحجارة.
وفي سن الثانية والعشرين من عمرهما أطلقا النار على بعضهما بعضاً.
وفي سن الثانية والأربعين رميا القنابل.
وحين بلوغهما الثانية والستين استخدما الأسلحة البكتيرية.
ولما أصبحا في الثانية والثمانين قضيا نحبهما، ووريا الثرى بقبرين متجاورين.
وبعد أن التهمهما الدود عقب مئة عام لم يلحظ أحد، أن ثمة رجلين مختلفين يرقدان هنا.
كانت الأرضُ نفسها، بدا فيها كل شيء متشابهاً.
وعندما أطل في العام 5000 خلدٌ من الأرض، لاحظ بهدوء أن:
الأشجار تبقى دوما أشجاراً.
والغربان ما تزال تنعق.
والكلاب ترفع دوماً ساقها.
وسمك السّلمون والنجوم.
والطحالب والبحر.
والناموس.
ما زالت باقية كما هي.
وأحياناً..
أحياناً يقابل المرء إنساناً.
شو عجبتكم القصه.....؟
مواقع النشر (المفضلة)