قبل سنوات، عهدت إليّ إحدى المؤسسات المعنية بالعمل مع الشباب بمهمة إعداد دليل تدريبي حول مهارات الاتصال، وعقب انتهائي من إعداد الدليل واعتماده من جانب تلك المؤسسة، وجدتها تعرب عن رغبتها في أن اقوم بعقد ورشة مكثفة للتدريب عليه. ولما كان الدليل مصمماً ليخاطب شريحة الشباب على وجه التحديد؛ افترضت أنني سأجد مجموعة من شباب الجامعات في تلك الورشة التي وافقت على تنظيمها، غير أني فوجئت، مصدوماً، في صبيحة يوم انعقاد تلك الورشة بأنني أمام مدراء كبار في مجال التشغيل والتوظيف، ينتظرون أن أدربهم على أساسيات مهارات الاتصال!
لكي أكون صادقاً تلبسني الإحساس بالضيق والحرج والتورط في البداية، إلا انني سرعان ما استعدت هدوئي ورباطة جأشي عندما أدركت جلياً أن معظم أولئك المدراء الذين انقضى على خدمة بعضهم قرابة ربع قرن لا يعرفون الكثير عما يسمى "مهارات الاتصال"، على الأقل بالمعنى العلمي لها، ويجهلون بصورة شبه تامة أسس التعامل الإيجابي الفعّال مع المراجعين!
جعلتني تلك التجربة أتساءل: إذا كان هذا هو حال مدراء كبار شابت رؤوسهم في الخدمة العامة، فكيف سيكون حال صغار الموظفين ومبتدئيهم فيما يتعلق بمستوى الإحاطة بمثل تلك المهارات، التي لا مفر من وجوب توافرها لدى كل موظف يتفاعل بصورة مباشرة مع المترددين على الدائرة. كما جعلتني أدرك كم يحتاج موظفونا إلى دورات لتطوير قدراتهم الاتصالية وتمكينهم من التواصل مع الناس كما ينبغي؛ فالموظف الذي يتصرف في سياق تفاعله مع مراجعيه باستهانة وجفاء في العادة، ربما لا يفعل ذلك لأنه شخص فظ غليظ القلب، بل ربما، وببساطة شديدة، لأنه لا يعرف الطريقة المثلى للتعامل مع الجمهور!
وعلى أية حال، وإذا كانت الجهات الحكومية المعنية عاجزة عن تخصيص الميزانيات الكفيلة بتنظيم عقد مثل تلك الدورات، مع أنها تهدر في واقع الأمر الملايين على فعاليات وأنشطة ومؤتمرات واجتماعات شكلية لا معنى لها، فإن عليها على الأقل أن تحث نفسها، وتحث الموظف الغافل على تذكّر وتفعيل العادات النبيلة المتعلقة بقواعد السلوك الودود مع الآخرين، التي يكتظ بها موروثنا الديني والثقافي، والتي يطبقها الموظف فعلاً في حياته أكثر مما قد نتصور!
فعلى سبيل المثال، إذا ما قصده ـ أي الموظف ـ صديق أو نسيب أو قريب بالزيارة، فإنه يغمره بلطفه ودماثته وكرم أخلاقه؛ إذ يسارع إلى القيام من مقامه لاستقباله بوجه بشوش، وعبارات الترحيب والحفاوة تتقاطر من شفتيه، فيجلسه في صدر مجلسه بمنتهى التكريم والإعزاز، ولا يتشاغل أو يُعرض عنه إذا ما تكلم مشيحاً بوجهه عنه، لإنه يعرف كم في ذلك السلوك من التعبير السافر عن الإهانة وقلة الاحترام!
على الموظف أن يعي أن المواطن الذي يراجع دائرة ما، هو ضيفها بكل تأكيد، وبما أنه ـ أي الموظف، الذي ما وجد إلا لخدمة المواطن، يمثّل دائرته، التي ما وجدت هي أيضاً إلا لخدمة ذلك المواطن، فإنه يجسد المضيف الذي ينبغي أن يقابل المراجع ويعامله بصورة طيبة توحي بالاحترام على الأقل، لا أن يتحدث إليه من طرف أنفه دون أن ينظر إليه، وهو يتمطى في مقعده أو يغوص متمدداً فيه، متلهياً بتقليب صفحات المواقع الإلكترونية أو قراءة الجريدة!
مواطننا المسكين يظل يشعر ـ نسبياً طبعاً ـ بأنه إنسان مصون الكرامة محترم الكيان، ما لم يجبره حظه العاثر ـ وما أكثر ما يفعل ـ على مراجعة دائرة حكومية ما. عندها، على البائس أن يتأهب جدياً لترك إحساسه المفترض بالإنسانية والكرامة على باب بيته، وأن يتهيأ لتلقي معاملة مزرية تجعله يشعر بالتقزم والضآلة، ما لم يدخل تلك الدائرة وقد سبقته واسطة عليّة مسموعة الكلمة مهيوبة الجانب، تحميه من تجبر الموظفين ونكد طباعهم!
فهناك، يتقاذفه الموظفون من شباك إلى آخر، ومن غرفة إلى ثانية، وربما من دائرة إلى أخت لها، قد تقع في مكان قصي أو في محافظة أخرى، في رحلة بغيضة لا يعلم إلا الله كم ستستنزف من وقته وماله وجهده وأعصابه، مع ثقتنا بشكلية، بل عبثية، كثير من الإجراءات والتواقيع والشروحات والإثباتات والوثائق والإحالات التي تقفز أثناء تلك الرحلة في وجه المراجع من غامض علم الله، التي لا نشك بإمكان اختصارها وربما التخلي عن معظمها، دون أن تقوم القيامة أو ينتهي العالم، وبخاصة أننا في زمن التكنولوجيا، التي لم تفلح كثيراً فيما يبدو في التخفيف من أعباء المواطن في معرض تعاطيه مع مؤسساته العامة، إن لم تكن أسهمت في مفاقمتها في بعض الحالات!
المشكلة، وكما هو دأبنا دائماً في الوطن العربي، أننا عمدنا إلى استيراد النظام البيروقراطي من الغرب بقضه وقضيضه، غير أننا استوردنا النسخة الأقدم والأبأس والأشد تعقيداً وروتينية وجفافاً منه، متجاهلين النسخ الحديثة التي طورتها مجتمعات أخرى، التي نجحت في جعله نظاماً عالي الكفاءة والفعالية، من غير أن يخلو من لمسات إنسانية دافئة. ليس هذا وحسب، بل إننا لم نفكر أو نتجرأ على إعادة تكييفه وأقلمته وتطويره ليناسب واقعنا العربي وبنيتنا الثقافية، لنجد أنفسنا وقد تورطنا بنظام روتيني جامد لا قلب له أو روح، فضلاً عن فشله الإداري والارتفاع الكبير في كلفته!
في المقابل، ولحسن الحظ، يبدو الأمر أرحم بكثير في المؤسسات والشركات الخاصة بالطبع، ربما بحكم المقاصد الربحية لعمل تلك المؤسسات، فالقوم فيها يدركون ـ خلافاً لأقرانهم في الدوائر الحكومية ـ أن نقود الناس هي من يدفع مرتباتهم، وأن خدمتهم هي ما يبرر وجودهم واستمرارهم، ومن ثم فإنهم لا يملكون إلا أن يعاملوا زبائنهم بكل رقة ولطف، وإن كانوا يتأثرون أحياناً كثيرة بالنظام الإداري العام المتخلف الذي يتحركون فيه، الذي يجبرهم على مطالبة الناس بمتطلبات حمقاء لإكمال معاملاتهم!
فقبل فترة مثلاً، فتحت حساباً في أحد البنوك الجديدة الكبيرة؛ تسهيلاً لعملية تحويل المكافآت المالية التي أتقاضاها نظير تعاوني مع إحدى المؤسسات الوطنية التي تودع حساباتها في ذلك البنك. تلطّف البنك بإعطائي بطاقة صراف آليّ لتمكيني من سحب النقود من حافظات النقود الإلكترونية المتناثرة في كل مكان، ألسنا في زمن التقدم والتكنولوجيا!؟ ولما عمدت إلى استخدامها، اكتشفت أنها لا تعمل! بمراجعة البنك، تبين أن إدارته لم تعمد إلى تفعيل البطاقة، نظراً للنقص في الأوراق المطلوبة لاستكمال معاملة فتح الحساب؛ إذ كان عليّ حسب ما فهمت من الموظفة المعنية أن ارفق مع معاملة فتح الحساب فاتورة كهرباء أو فاتورة ماء؛ لإثبات مكان سكناي!
سألت الموظفة الطيبة والغيظ يلفني: ماذا لو كنت مغترباً عائداً من المهجر وأحلّ بصورة مؤقتة ضيفاً على أحد الأصدقاء أو الأقارب!؟ وماذا لو كنت أقيم في فندق ما!؟ وماذا لو كنت "نورياً" أعيش في خيمة أنصبها في الخلاء!؟ فمن أين سآتي بتلك الفاتورة السخيفة لإثبات مكان إقامتي "الدائمة"!؟ ضحكت المسكينة بارتباك وأجابتني وهي تتفق معي على استهجان ذلك الطلب "العصملي" بأنها تعليمات البنك المركزي العتيد!
نعود إلى شجون الحديث عن دوائرنا الحكومية المسكينة، التي يبعث الدخول اليها، أو حتى مجرد التفكير فيها، على الغم والانقباض، بألوان جدرانها الكالحة، والإضاءة السيئة فيها، وتواضع مستوى نظافتها، وقبل ذلك بالوجوه المنقبضة المكفهرة لموظفيها! أظننا لو أجرينا استطلاعاً موضوعياً لقياس مدى رضا الناس عن الخدمات التي تقدمها معظم تلك الدوائر، لخرجنا بنتائج لا تبعث على كثير من الارتياح والإعجاب، وأكاد أجزم أننا لن نجد مواطناً عربياً واحداً إلا وله قصص حزينة وذكريات مؤسفة سطرتها تجارب التعامل مع مؤسسات العمل العام!
فإلى متى يستمر مسلسل معاناة المواطن العربي مع تلك المؤسسات، وإلى متى سيظل يشعر بأنه مقدم على مغامرة مقلقة كلما أجبرته الحاجة على إجراء معاملة ما، كثيراً ما يكون بالإمكان إتمامها في واقع الأمر عبر البريد العادي، أو عن طريق البريد الإلكتروني! وهنا أتساءل: ماذا حدث لكل الأحاديث والوعود والآمال التي أُتخمنا بها منذ سنوات طويلة حول إخراج "الحكومات الإلكترونية" في وطننا العربي إلى النور!؟
أخشى أن تلك الأحاديث والوعود والآمال ليست أكثر من حلم جميل بعيد عن التحقق، فمنذ فترة مثلاً، تقدمت إلى إحدى الدوائر بطلب الحصول على كتاب رسمي لا يستغرق إعداده أكثر من خمس دقائق، ما دمنا في زمن الحواسيب التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من المعلومات عنا إلا أحصتها، فأعلمني الموظف الكريم، الذي أحدس أنه يخشى التبسم وإلا تهشمت عضلات وجهه المتحجر، أن علي الانتظار عشرة أيام أو أسبوعين ريثما يتم تجهيز الكتاب!
لحسن الحظ، نحن في أيام فضيلة تستجاب فيها الدعوات بإذن الله، لذلك لن أتحامق مجدداً كما فعلت في رمضان الفائت بإهدار ليلة القدر، أو ما يفترض أنها ليلة القدر، في الدعاء بتحقق أمنيات طفولية ساذجة من مثل تحرير فلسطين، التي أعرف تماماً أنها لن تتحرر ما دامت بلاد العرب على هذا الوضع المزري من الفرقة والضعف والتخلف، بل سأستثمر الأيام الفضيلة القادمة بأن أبتهل إلى الله العلي القدير بأن يمنّ علينا سريعاً ـ ونحن أكثر أمم الأرض انكباباً على استيراد أحدث ابتكارات التنكولوجيا ـ بحكومات إلكترونية، تنجينا من عذاب مراجعة الدوائر الحكومية والتصبح بوجوه موظفيها، الذين تقطع رؤية سحنات كثير منهم الرزق، إنه سميع قريب مجيب الدعاء!

د. خالد سليمان